أقوال سيدي أبو الحسن الشاذلي من كتاب القصد 038

قال رضي الله عنه ثم عليك أيها السالك لطريق الآخرة عليك بتحصيل ما أمرت به في ظاهرك فإذا فعلت ذلك فاجلس على بساط المراقبة ، و خذ بتخليص باطنك حتى لا يبقى فيه شيء مما عنه نهاك ، و أعط الجد حقه و اقلل النظر إلى ظاهرك إن أردت فتح باطنك لأسرار ملكوت ربك فما ورد عليك من خطرات بعدك عن مرادك ، فاعلم أولاً قرب ربك منك علماً يباشر قلبك بتكرار النظر في جلب منافعك و دفع مضارك و انظر لقوله تعالى هل من خالق غير الله يزرقكم من السماء و الأرض فإن من الأرض نفسك و من السماء قلبك فإذا أنزل من السماء إلى الأرض من شيء فمن ذا الذي يصرفه عنك غير الله يعلم ما يلج في الأرض ما يخرج منها و ما ينزل من السماء و ما يعرج فيها و هو معكم أينما كنتم ، فأعط المعية حقا بلزوم العبودية له في أحكامه و دع عنك ما منازعة الربوبية في أفعاله ، فإن من ينازعه يُغلب و هو القاهر فوق عباده و هو الحكيم الخبير ، نعم الحق ما أقول لك ما من نفس من أنفاسك إلا و الله متوليه مستسلماً كنت أو منازعاً لأنك تريد الاستسلام في وقت و تأبى إلا النزاع و تريد النزاع في وقت آخر و يأبى إلا الاستسلام ، فدلت هذه على الربوبية في جميع أفعاله و لا سما عند من اشتغل بمراعاة قلبه لتحصيل حقائقه فإذا كان الامر بهذا الوصف فأعط الأدب حقه فيما يراد عليك بان لا تشهد لشيء منك أولية إلا بأوليته و لا آخرية إلا بآخريته و لا ظاهر إلا بظاهريته و لا باطناً إلا ببطانيته فإن تنبهت لمؤول الأول نظرت فيما يؤول إلى ما يؤوله فإن صدر عليك حاضر من المحبوب يوافق النفس أو مكروهاً لا يوافقها مما لم يحرمه الشرع فانظر لما ينظره الله فيك بأثر ما يخطر ببالك فإن وجدت تنبيهاً عن الله تعالى فعليك بالتحقيق فذلك أدب الوقت عليك و لا ترجع إلى غير ذلك فإن لم تجد السبيل إلى التحقق به فعليك بالتعريس بين يديه فهو أدب الوقت عليك و مهما رجعت إلى غيره فقد أخطأت سبيلك فإن لم يكن ذلك منك فعليك بالتوكل و الرضا و التسليم فإن لم تجد السبيل إليه فعليك بالدعاء في جلب المنافع و دفع المضار يشترط الاستسلام و التفويض و أحذرك من الاختيار فإنه شر عند ذوي الأبصار فإذا هي أربعة آداب ، آداب التحقيق و آداب التعريس و آداب التوكل و آداب الدعاء فمن تحقق به حفز منه و من تعرس عنده كفى من غيره و من توكل عليه كفى من اختبار نفسه باختيار ربه و من دعاه بشرط الإقبال و المحبة أجابه إن شاء فيما يصلح له أو منعه إن شاء فيما لا يصلح له و لكل أدب بساط ، البساط الأول بساط التحقيق ، إذا أورد ليك خاطر من غيره و كشف لك عن صفاته فكن هناك بسرك و حرام عليك أن تشهد غيره ، البساط الثاني بساط التعريس إذا أورد عليك خاطر من غيره و كشف لك عن صفاته فعرس هناك بسرك و حرام عليك أن تشهد غير صفاته شاهداً أو مشهوداً و في الأول فنى الشاهد و بقي المشهود ، البساط الثالث بساط التوكل فإذا أورد عليك خاطر من غيره اعني ما تقدم ذكره من محبوب أو مكروه و كشف لك عن عيوبك جلست على بساط محبته متوكلاً عليه راضياً بما يبدو لك من آثار فعله و أنوار حجته ، البساط الرابع بساط الدعاء فغن ورد عليك خاطر من غيره و كشف لك عن فقرك إليه فقد دلك على غناه فاتخذ الفقر بساطاً و إحذر أن تنزل عن هذه الدرجة إلى غيرها و تقع في مكر الله من حيث لا تعلم ، و أقل ما يكون منك إذا نزلت عنها أن ترجع إلى نفسك كدبراً لها و مختاراً فأشرف أحوالك و لا حال لك أن تحملها على الجد و الاجتهاد ، إما في ظاهرك و إما في باطنك طمعاً أن تدفع بذلك عن نفسك و ما أسوأ حالك إذا كابدت أن تدفع عنها ما أراد الله أن يدفعه عنك فكيف إذا نازعته فيما يريد دفعه عنك ، و أقل ما في هذا الباب دواعي الشرك فإنك قد غلبت و ما غلبت فإن كنت غالباً فكن حيث شئت و لن تكون حيث شئت أبداً ، فدل اجتهادك على عظيم جهلك بأفعال الله ، و ما أقبح عبداً جاهلاً أو عالماً فاسقاً فما أدري بأي الوصفين أصفك ، أم بالجهل أم بالفسق أم بهما جميعاً ، أعوذ بالله من تعطيل النفس عن المجاهدات و من خلو القلب عن المشاهدات إذ التعطيل ينفي الشرع و الخلو ينفي التوحيد و حاكم الشرع قد جاء بهما جميعاً فاخرج عن منازعة ربك تكن موحداً و اعمل بأرركان الشرع تكن سنياً و اجمع بينهما بعين التأليف تكن محققاً ، أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ، ثم إن خطر لك في مراقبتك أيضاً خاطر من مكروه في الشرع أو محبوب فيه مما قد سلف فانظر ما تذكر به و تنبه ، فإن ذكرت الله به فأدبك توحيده على بساط تفريده ، فإن لم يكن هناك فأدبك رؤية فضله فيما حلاك به من لطيف رحمته ، و زينك من طاعته بتخصيص محبته على بساط مودته ، فإن نزلت عن هذه الدرجة و لم تكن هناك فأدبك رؤية فضله إذ سترك فيما اقترفت من معصية و لم يكشف سترك لأحد من خلقه فإن صرفت عن هذا الباب و ذكرت معصيتك و لم تذكر ما تقدم من الآداب الثلاثة فكن بأداب الدعاء في التوبة منها أو من مثلها و طلب المغفرة لها حسبما يطلبه الجاني المخاطر به هذا في جانب المكروه في الشرع ، و أما إذا ورد عليك خاطر من طاعة نفذت و ذكرت من أفادكها فلا تقر عينيك بها بل بمنشئها ، قرت عينك بغيره فقد سقطت عن درجة التحقيق ، فإن لك تكن في هذه المنزلة فكن في التي تليها ، و هو أن تشهد عظيم فضل الله عليك إذ جعلك من أهلها ، و ميراثها أن ترزق خيراً منها بل من علامتها الدالة على صحتها ، و إن لم تبوَّأ هنا و بوأت فيما دونها فأدبك تدقيق النظر في تلك الطاعة هل هل هل ، و انت سالم من المطالبة فيها أم هي بعكس ذلك و أنت مأخوذ بها ، نعوذ بالله من حسنات تعود سيئات و بدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ، فإذا نزلت من هذه الدرجة إلى غيرها فأدبك طلب النجاة منها بحسنها و سيئها و ليكن هروبك من حسناتك أكثر من هروبك من سيئاتك إن أردت أن تكون من الصالحين .